نه الرحالة العياشي أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي، الفقيه، الأديب، المؤرخ، الصوفي، نسبة إلى قبيلة آيت عياش البربرية القاطنة بنواحي سجلماسة جنوب غربي المغرب الأقصى؛ من مواليد عام 1037هـ/1627م، وتوفي عام 1090هـ/1679م، وقد ذكر له المترجمون ثمانية تآليف، منها : ماء الموائد، وهي رحلته الشهيرة المعروفة بالرحلة العياشية، وإظهار المنة على المبشرين بالجنة، وتحفة الأخلاء بأسانيد الأجلاء، وتنبيه ذوي الهمم العالية على الزهد في الدنيا الفانية، واقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر، وغيرهم من التصانيف الأخرى، قرأ العياشي على شيوخ منهم أخوه الأكبر، وأبو بكر بن يوسف الكتاني، وعبد القادر الفاسي، وغيرهم، وقرأ أثناء حجه على شيوخ مصريين، منهم الأجهوري والخفاجي وإبراهيم المأموني وعلي الشبراملسي وسلطان المزاجي، وفي الحجاز جاور عدة سنوات وأخذ العلم والتصوف عن جماعة منهم زين العابدين الطبري وعبد الله باقشير، وعلي بن الجمال، وعبد العزيز الزمزمي وإبراهيم الكردي وحسين العجمي، ومنهم عيسى الثعالبي أحد أعيان الجزائريين المهاجرين إلى مكة، ونال من هؤلاء جميعاً الإجازات وكتب عن بعضهم الأسانيد. وقد سافر إلى الحج مع وفد جزائري يرأسه عبد الكريم الفكون، فأخذ عنه مؤلفاته وطريقته، وكتب عنه في رحلته صفحات ثمينة، وكانت له مع بعض العلماء الجزائريين في المشرق خلافات في الرأي نذكر منهم يحيى الشاوي الذي تنابز مع العياشي ونال كل منهما من الآخر. وسنرى أن العياشي ذكر مجموعة أخرى من العلماء وزعماء التصوف في مدن فلسطين، مثل غزة والرملة والقدس والخليل، والتقى بعلماء آخرين مغاربة، منهم عبد العزيز النفاتي التونسي قاضي القدس في وقته.
ومعظم تآليفه يغلب عليها الأسانيد والتصوف وما تزال مخطوطة، ولا نعرف من كتبه المطبوعة سوى رحلته المعروفة بـ"ماء الموائد"، وهو عنوان أحسن اختياره إذا كان مقصوده أنها عمل لا غنى عنه كما لا يستغني الإنسان عن الماء سواء في الموائد أو غيرها. ولكن طبعة الرحلة أصبحت قديمة؛ فقد طبعت طبعة حجرية في آخر القرن التاسع عشر (1898)، فكانت صعبة الخط عويصة الفهم. وقد أشرف محمد حجي على استخراج ما فيها من أعلام، وأعيد تصوير طبعة فاس بفهارس جديدة، سنة 1977م، وليتهم طبعوا النص طبعة حديثة ليكون أكثر فائدة وسهولة للقراء وأكثر مطابقة لعنوان المؤلف، وهو "ماء الموائد"، وهي كما قال الكتاني نقلا عن المسناوي في كتابه ((جهد المقل القاصر )): "جمة الفوائد , عذبة الموارد , غزيرة النفع , جليلة القدر , جامعة في المسائل العلمية المتنوعة ما يفوت الحصر , سلسه المساق والعبارة, مليحة التصريح والإشارة".
أخبر العياشي في رحلته أنه كان "ينوي" زيارة القدس، وهو ما يزال في طريقه إلى الحج. وأثناء مجاورته الحرمين تجددت عنده نية الزيارة. ولكن الوسائل المادية كانت تعوزه؛ فقد كان يشكو من "قلة ذات اليد" وكذلك من الخوف في الطريق. ولكنه عندما حل بالعقبة وجد من شجّعه على الزيارة وكتب له كتباً تعرفه للوجهاء في أهم المدن الفلسطينية، ومنها القدس الشريف.
وتحولت نية العياشي إلى حقيقة واقعة، وكتب الله له زيارة القدس؛ التي يتمنى كل واحد منا زيارتها وتكحيل العين بجمالها.
وما أن دخل العياشي القدس حتى اختار له مكانا يقطنه في حارة المغاربة، ثم شرع بزيارة المعالم الدينية المقدسية والصلاة فيها، وكان على رأس تلك المعالم؛ المسجد الأقسى المبارك.
خص العياشي المسجد الأقصى بأوصاف كثيرة. فهو مسقوف كله، وهو رفيع البناء، وتصلى فيه الجمعة، وفيه مكان معلوم صلى فيه الخليفة عمر بن الخطاب، وفي ركنه الشرقي مزار يقال له مهد عيسى، وله طاقات واسعة يشرف منها الناظر على الوادي الذي يسمى وادي جهنم، وتحت المسجد الأقصى مسجد آخر واسع جداً مرفوع على أساطين من حجارة منحوتة، وهي من البناء السليماني. ويلخص العياشي رأيه فيقول: "وبالجملة، فغرائب الصخرة والمسجد الأقصى وما حولهما من المزارات شيء كثير".
ويعترف أن هناك تآليف كثيرة حول الموضوع، ولكنه يقتصر في روايته على ما شاهده شخصياً بقوله:"بعض ما رأيناه وزرناه".
ومن هذه المشاهدات والمزارات: حجرٌ خارج بعض أبواب المسجد يتبرك به الناس على أنه مربط البراق، وقد غلب العشب والكلأ اليابس على الناحية الشرقية من المسجد، فلا يقدر المرء على المشي فيها بلا نعل لكثرة شوكها، ويعتقد الناس أن سماء القدس دائماً فيها غيم، فلا تظل صافية كامل اليوم. ولعله يريد أن يقول إن ذلك من الكرامات، ثم إن أرض القدس أرفع مكان وأقرب مكان إلى السماء- وهذه حقيقة علمية أثبتا العلماء في عصرنا الحاضر-.
يشرف طور زيتا على القدس كلها وعلى ما حولها، وفي أعلى طور زيتا مزار يقال إن عيسى عليه السلام منها رفع، وكان هذه المزار في يد النصارى، ولكن الشيخ محمد العلمي –أحد أعلام القدس آنذاك- هو الذي سعى إلى استعادتها منهم إلى أن نجح في ذلك، وقد بنى الشيخ تحت المزار مشهداً أو رباطاً، وفيه قبره، وأخبر العياشي أن هذا المكان يوجد تحت يدي أولاد الشيخ، ومنهم عمر العلمي.
وفي أعلى جبل الطور قبرُ رابعة العدوية، وهو في مغارة تحت الأرض –ويحاول الصهاينة اليوم السيطرة عليه وتحويله إلى كنيس يهودي-، وقبر مريم الذي يوجد في كنيسة بأصل الوادي، وكان في عهد العياشي بأيدي النصارى. وقال إنه تحرج من الدخول إلى هذا القبر، فاكتفى بزيارته بالعين من الخارج.
وذكر من المزارات عين سلوان التي توجد في أسفل الوادي، ولم يصل إليها أيضاً ولم يزرها إلا بالعين، وأرسل من جاءه منها بماء، لأن الآثار وردت بفضل هذه العين حسب قوله، وقد أخبر أنها ليست عيناً جارية على وجه الأرض، وإنما هي في شكل حوض ينزلون إليه بأدراج؛ وهناك قبر شداد بن أوس وقبر عبادة ابن الصامت، وكلاهما تحت سور المسجد الشرقي؛ وفي المكان نفسه مقبرة عظيمة.
وفي سور المسجد حول القبرين المذكورين صخرة عظيمة ذات أذرع قيل إنها من آثار النبي سليمان، وموضع يقال إنه هو عرشه وهو حول باب المسجد الموالي لناحية الوادي.
وفي غرب مدينة القدس مزارات أخرى منها موضع يقال إنه قبر النبي داود عليه السلام، وكان في الماضي تحت إشراف النصارى، ولكن الشيخ محمد العلمي أو غيره من الصالحين استعاده منهم، أما قبر موسى عليه السلام، فبينه وبين القدس نحو نصف مرحلة، ناحية المشرق؛ وقد أروه ما يحاذيه من الأمكنة، عندا صعدوا الطور، وأخبروه أن المسافة إليه مخيفة للغاية، وأنه لا يمكن الوصول إليه إلا بقوة ومنعة، بالرغم من أنه كان كثير الشوق إلى ما هنالك من العجائب. وقد تحدث العياشي عن بعض ما يرويه الناس عن ذلك المكان، وقال إنه لم يرد خبر صحيح عنه،
وهكذا نرى أن العياشي لم يكن مهتماً بالحياة الاقتصادية والاجتماعية لمدينة القدس. ولم يسجل أسعاراً ولا بضائع ولا عدد سكان ولا أجناسهم ومعاشهم، وانصب اهتمامه في الأساس على ذكر المعالم الدينية كالمساجد والزوايا والربط، والجوانب الروحية كالانتماء إلى الطرق الصوفية، ولا سيما الرفاعية، والحصول من أصحابها على إجازات وشهادات، وكان يقدم بين يدي شيوخه الجدد بعض الأشعار للشكر والتقدير.
وقد نفهم أن العياشي أراد أن يسجل في رحلته عن القدس وغيرها ما كان يشغل بال متعلمي المغرب عندئذ، وهي شؤون الدين والتصوف وأسماء المشتغلين بهما في المشرق.
وهكذا نلمس مدى الاهتمام الكبير بالقدس والمسجد الأقصى من قبل الرحالة على اختلاف مشاربهم وبلادهم، وتنوع اتجاهاتهم، ويتنافسون على زيارتها والتبرك في الصلاة في مسجدها.
فما بالنا اليوم فقدنا الإحساس بأهمية القدس ومساجدها وزواياها وأبوابها وأروقتها ومدارسها وكافة معالمها الدينية والتاريخية، وغابت صورتها عن أذهان الكثير من العرب والمسلمين اليوم، وها هي تتعرض للمخاطر تلو المخاطر، وتهود على مرأى ومسمع منهم ولا مغيث ولا منقذ، ندعو الله العزيز الحكيم أن يفك أسرها ويعيدها إلى حوزة المسلمين، لتعود قبلة للرحالة والزائرين، وحضنا دافئا للعباد والمحبين.